×

تالا وغابة النجوم المخبّأة

كان يا ما كان، بضيعة صغيرة بين الجبل والبحر، كانت عايشة بنت اسمها تالا، عمرها خمس سنين.

تالا كانت كتير بتحب المغامرات.

كل يوم الصبح، كانت تلبس شنطتها الزهريّة الصغيرة، وتحطّ فيها قنينة مي، بسكوتة، دفتر رسم، وقلم أخضر كانت مقتنعة إنّه «قلم سحري»… مع إنّه بالحقيقة كان قلم عادي اشترتلها ياه إمّا من المكتبة.

وكانت تقول:

«اليوم أكيد رح يصير شي غريب!»

وإمّا تضحك وتقلها:

«يا تالا، مش كل يوم في تنانين وكنوز!»

فتجاوبها تالا:

«ما منعرف! يمكن التنين مستخبي ورا البرّاد!»

بنهار من النهارات، راحت تالا تزور ستّها بالضيعة.

بيت ستّها كان قديم وحلو، حواليه شجر تين وزيتون، وورا البيت كان في غابة صغيرة.

بس كان في قانون واحد ستّها دايماً بتقلا ياه:

«تالا، ما بتفوتي عالغابة لحالك، مفهوم؟»

وتالا كانت تجاوب:

«مفهوم يا ستّي.»

بهداك النهار، وهي عم تلعب بالحديقة، شافت شي بيلمع تحت شجرة الليمون.

ركضت لعندو.

كان مفتاح صغير ذهبي، مربوط فيه خيط أزرق، وعليه رسمة نجمة.

رفعت تالا المفتاح وقالت:

«ستو! لقيت مفتاح!»

بس قبل ما تلحق تناديها، سمعت صوت رفيع كتير عم يقول:

«شششش! وطي صوتِك!»

تالا تطلعت يمين.

شمال.

فوق.

تحت.

ما في حدا.

رجع الصوت:

«هون! حدّ إجرك!»

نزلت تالا راسها…

وشافت حلزون صغير لابس طربوش أحمر.

فتحت تمّها وقالت:

«إنت… بتحكي؟»

قال الحلزون:

«طبعاً بحكي! شو مفكرتيني؟ حجر؟»

قالت تالا:

«بس الحلزونات ما بيحكوا!»

ردّ عليها:

«والبشر ما بيلاقوا مفاتيح سحرية كل يوم، بس ها نحنا هون.»

قعدت تالا عالأرض وقالت:

«شو بيفتح هالمفتاح؟»

الحلزون صار يطلع حواليه بخوف.

«بيفتح باب غابة النجوم المخبّاية.»

عيون تالا صاروا قدّ الصحون.

«غابة… النجوم؟»

«إيه. بس عنا مشكلة كبيرة.»

«شو؟»

تنهد الحلزون وقال:

«حدا سرق ضو القمر.»

قالت تالا:

«طيب منرجعو!»

قال الحلزون:

«مش بهالسهولة. الطريق فيه ثلاث بوابات، ونهر بيحكي، وجسر ما بيمشي عليه إلا الشجعان، وكائن كبير عايش بالجبل.»

سكتت تالا شوي.

بصراحة… خافت.

بس تذكرت كلام بيّها دايماً:

«الشجاع مش يلي ما بيخاف. الشجاع هو يلي بيخاف وبيفكّر قبل ما يتصرّف.»

قالت للحلزون:

«أنا بدي ساعدك… بس ما فيني فوت عالغابة من دون ما خبر ستّي.»

الحلزون رفع حاجبيه وقال:

«آه! ممتاز! لأن آخر ولد فات من دون ما يخبر أهلو، ضلّينا ساعتين ندوّر عليه.»

ركضت تالا لعند ستّها، وحكتلها عن المفتاح والحلزون والغابة.

ستّها تطلعت بالمفتاح، وسكتت شوي.

وبعدين قالت:

«كنت بعرف إنو هالنهار رح يجي.»

تالا شهقت:

«إنتِ بتعرفي عن الغابة؟!»

ابتسمت ستّها.

«مين برأيك خبّى المفتاح تحت شجرة الليمون؟»

أعطتها ستّها كيس صغير وقالت:

«فيه ثلاث أشياء: حبّة لوز، شريطة حمرا، ومراية صغيرة. رح تعرفي إمتى تستعمليهن.»

وبعدين قالتلها:

«وتذكّري يا تالا: مش كل شي شكله مخيف بيكون شرير… ومش كل باب لازم نفتحو بالقوة.»

مسكت تالا إيد ستّها، والحلزون طلع على كتفها.

ووصلوا لطرف الغابة.

كان في شجرة ضخمة، على جذعها فتحة بشكل نجمة.

حطّت تالا المفتاح فيها.

تك!

انفتح باب ما كان موجود من قبل.

ورا الباب، كانت في غابة أغرب من كل القصص.

الأشجار أوراقها بنفسجية.

الفطر بيضوي متل اللمبات.

والفراشات بتترك وراها خطوط ضو بالهوا.

وأول ما فاتت تالا…

اختفى الباب.

قالت:

«آه أوه.»

قال الحلزون:

«ما تخافي. بيرجع لما نرجّع ضو القمر.»

بعد شوي، وصلوا لأول بوابة.

كانت مصنوعة من أغصان ملتفة، وفوقها مكتوب:

«ما بيمرّ إلا يلي بيعرف يسمع.»

قدّام البوابة كان في عصفور صغير عم يزعق:

«بييب! بييب! بييب!»

قالت تالا:

«يمكن لازم نسألو عن كلمة السر.»

سألته:

«شو كلمة السر؟»

بس العصفور ضل يصرخ.

«بييب! بييب!»

قال الحلزون:

«ما عم يفهم علينا.»

تالا قررت ما تحكي.

قعدت بهدوء وصارت تسمع.

بعد شوي لاحظت إنو العصفور مش عم يزعق… هو عم يبكي.

كان جناحه عالق بين غصنين.

قالت:

«آه! إنت مش بدك تعطينا كلمة السر. إنت بدك مساعدة!»

فكّت الغصن شوي شوي، وطلع جناحه.

طار العصفور وفرح، وقال:

«شكراً!»

وفجأة انفتحت البوابة.

قال الحلزون:

«فهمتي العبرة؟»

قالت تالا:

«إيه. مرات منكون مستعجلين نحكي… ومننسى نسمع.»

كفّوا الطريق ووصلوا لنهر أزرق لامع.

بس ما كان في جسر.

وفجأة قال النهر بصوت عميق:

«ما بقطعني حدا إلا إذا جاوبني عالسؤال.»

تالا قالت:

«اسأل.»

قال النهر:

«شو أغلى شي ممكن الواحد يعطيه لحدا… من دون ما يشتريه؟»

فكرت تالا.

«لعبة؟»

هزّ النهر مياته.

«لأ.»

«بسكوتة؟»

«لأ.»

فكرت أكتر.

تذكرت إمّا لما بتقعد حدها إذا كانت زعلانة.

وتذكرت بيّا لما بيلعب معها حتى لو كان تعبان.

قالت:

«يمكن… الوقت؟»

سكت النهر.

وبعدين لمع أكتر.

«جواب صحيح.»

طلعت حجارة من المي، وصاروا طريق للجهة التانية.

قال الحلزون:

«برافو.»

قالت تالا:

«لأن إذا عطيت حدا من وقتك، يعني اخترت تكون معه.»

بعد النهر، صار الطريق أغمق.

وصلوا لجسر خشب فوق وادٍ عميق.

وعلى أول الجسر كان مكتوب:

«ما بيمرّ إلا يلي بيعترف بخوفه.»

الحلزون قال:

«يلا!»

بس تالا ما تحركت.

كان الجسر عالي.

كتير عالي.

قالت بصوت صغير:

«أنا خايفة.»

فجأة، أول لوح بالجسر لمع.

قال الحلزون:

«كمّلي.»

قالت:

«خايفة وقع… وخايفة ما نقدر نرجع… وخايفة من الكائن الكبير يلي قلتلي عنه.»

كل ما كانت تعترف بشي، كان لوح جديد يضوي.

قال الحلزون:

«طيب وهلّق؟»

أخدت نفس.

«هلّق بعدني خايفة… بس بقدر أمشي شوي شوي.»

خطت خطوة.

وبعدين خطوة تانية.

وشوي شوي، قطعت الجسر كله.

قال الحلزون:

«شايفة؟ الجسر ما كان بدو حدا ما بيخاف. كان بدو حدا ما بيكذب على حاله.»

وصلوا أخيراً للجبل.

وفوق الجبل كان في قلعة سودا.

ومن جوّا…

سمعوا صوت:

«غغغغغغغغ!»

تالا بلعت ريقها.

«هيدا الكائن؟»

قال الحلزون:

«إيه.»

فتحوا باب القلعة.

كان جوّا كائن ضخم، شعره منفوش، عنده قرنين، وعيونه كبار.

وبين إيديه كان في كرة من نور.

ضو القمر!

صرخ الحلزون:

«حرامي القمر! رجّع الضو!»

الكائن وقف بسرعة.

«لأ!»

اختبأت تالا شوي ورا صخرة.

بس تطلعت فيه منيح.

لاحظت شغلة غريبة.

الكائن… كان عم يبكي.

قالت تالا:

«ليش أخدت ضو القمر؟»

قال:

«لأنّي بخاف من العتمة.»

الحلزون قال:

«شو؟»

الكائن مسح دموعه.

«أنا عايش لحالي بهالجبل. وكل ليلة لما بيغيب القمر ورا الغيم بخاف. فقلت إذا أخدت ضوّه وخبيته هون… ما بعود بخاف.»

تالا تذكرت كلام ستّها:

مش كل شي شكله مخيف بيكون شرير.

قربت شوي وقالت:

«بس لما أخدت الضو… كل الغابة صارت بالعتمة.»

نزل الكائن راسه.

«بعرف.»

«يعني إنت ارتحت… بس الباقيين كلّن خافوا.»

قال:

«ما فكرت بهالشي.»

فتحت تالا كيس ستّها.

شافت الشريطة الحمرا، المراية، وحبّة اللوز.

أخدت المراية وحطتها قدّام كرة القمر.

انعكس الضوء بكل القلعة.

قالت:

«شوف! فينا نرجّع ضو القمر، ونتركلك شوي من ضوّه هون بالمراية.»

الكائن فتح عيونه بفرح.

«عنجد؟»

قالت:

«إيه. بس لازم توعد إنك لما تخاف، تطلب مساعدة… مش تاخد شي مش إلك.»

مدّ الكائن كرة الضوء لتالا.

«بوعد.»

أول ما مسكت تالا كرة الضوء…

اهتزّ الجبل!

وووووش!

طلعت كرة القمر من إيدها، وراحت عالسما متل شهاب.

وفجأة، كل الغابة ضوّت.

الأشجار صارت ذهبية.

الفطر صار يغني.

والفراشات عملوا دوائر حواليها.

بس فجأة…

سمعوا صوت:

«كرااااك!»

الأرض تحت الكائن تشققت!

وكان رح يوقع.

صرخ:

«ساعدوني!»

الحلزون قال:

«اتركيه! هو سبب كل المشاكل!»

بس تالا قالت:

«لأ! إذا غلط، ما يعني منتركه يوقع!»

طلعت الشريطة الحمرا من الكيس.

ربطتها بغصن قوي، ورمت الطرف للكائن.

مسك فيها.

بس كان تقيل كتير.

قالت:

«ما فيي لحالي!»

الحلزون صار يجر معها.

العصفور يلي ساعدته بأول الطريق إجا مع رفقاته.

كلهم صاروا يشدّوا.

حتى النهر بعت موجة مي دفشت الكائن لفوق.

و…

هووووب!

طلع.

قعد عالأرض وقال:

«ليش ساعدتوني بعد ما عملت كل هالمشكلة؟»

قالت تالا:

«لأن الواحد لازم يصلّح غلطه… بس كمان لازم نعطيه فرصة يصلّحه.»

بقيت حبّة اللوز بالكيس.

قالت تالا:

«بس شو منعمل بهيدي؟»

الحلزون قال:

«يمكن ستّك كانت جوعانة.»

ضحكوا.

بس لما رجعوا لطرف الغابة، لقوا الباب مسكّر.

وما عاد المفتاح يشتغل.

قالت تالا:

«يا لطيف!»

تذكرت حبّة اللوز.

زرعتها بالأرض.

وفجأة…

طلع منها غصن.

والغصن صار شجرة.

والشجرة كبرت وكبرت وكبرت…

وفتح بجذعها باب بشكل نجمة.

قال الحلزون:

«فهمت هلّق.»

قالت تالا:

«شو؟»

قال:

«بعض الأبواب ما بتنفتح بمفتاح… بتنفتح لما تزرعي شي منيح.»


رجعت تالا عبيت ستّها.

كانت ستّها قاعدة عالكرسي وكأنها عارفة بكل شي صار.

قالت:

«كيف كانت الرحلة؟»

ركضت تالا وحضنتها.

«ستو! كان في نهر بيحكي، وجسر عالي، وكائن كبير سرق القمر بس مش لأنو شرير، وحلزون كتير بيحكي!»

الحلزون قال:

«أنا بسمعك على فكرة.»

ضحكت ستّها.

وبعدين سألت تالا:

«وشو تعلمتي؟»

قعدت تالا تفكّر.

وقالت:

«تعلمت إنو لازم نسمع قبل ما نحكم.»

«وغير؟»

«إنو عادي نخاف.»

«وغير؟»

«إنو إذا حدا غلط، لازم يصلّح غلطه.»

«وغير؟»

ابتسمت تالا وقالت:

«وإنو أحسن شي نعمل مغامرة… وبعدين نرجع عالبيت ناكل منقوشة.»

ضحكت ستّها وقالت:

«هيدي أهم عبرة بالقصة كلها!»

وبالليل، نامت تالا حدّ الشباك.

وكان القمر منوّر غرفتها أكتر من العادة.

وقبل ما تسكّر عيونها، سمعت:

«تك… تك… تك…»

فتحت عين وحدة.

على حافة الشباك…

كان في صندوق صغير أزرق.

وعليه ورقة مكتوب عليها:

«إلى تالا… للمغامرة رقم ٢.»

تالا ابتسمت.

وقالت: «كنت بعرف إنو التنين مش ورا البرّاد.»

وتوتة توتة… خلصت الحدوتة.

إرسال التعليق